سقف القوة مرسوم والبدائل الكبرى في الشرق

بقلم: محمد الجدعي
الولايات المتحدة تمنح إسرائيل التفوق عسكرياً على الإقليم بينما تقيد الآخرين بصفقات التسليح
ملخص
لنتخيل مثلاً لو أن الدول العربية أسست “أوبك” دفاعية جديدة، وتحالفاً تقنياً عسكرياً يضم دول عربية تتصدرها دول الخليج، برأسمال سيادي مشترك يضخ من فوائض النفط والغاز، ليس لشراء الأسلحة وحسب بل لتملك الكود والبرمجة وبناء مصانع للـ “درونات” والرادارات والصواريخ، عبر شراكات مع كوريا والصين وتركيا لنقل التقنية.
من يملك المفاتيح يملك القرار”، تلك خلاصة معضلة التسليح في الشرق الأوسط، حيث المشهد العسكري أشبه بمسرحية يُكتب نصها في واشنطن وتمنح البطولة المطلقة لإسرائيل، بينما يقف الآخرون في مقاعد المتفرجين مهما أنفقوا أو تنوعت راياتهم.
منذ سبعينيات القرن الماضي وضعت واشنطن قاعدة ذهبية: ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل (QME)، ولم يعد الأمر توصية سياسية بل قانوناً فيدرالياً يلزم كل إدارة أميركية، ويمرر كل صفقة سلاح عبر “مصفاة إسرائيلية” ثلاثية: الـ “بنتاغون” ووزارة الخارجية ولوبيات الضغط الخفية، ولم يأتِ هذا الضمان من فراغ، فـ “قانون تصدير السلاح الأميركي” الذي يعود لعام 1968، ثم عدل عام 2008، ألزم واشنطن رسمياً بالحفاظ على قدرة إسرائيل على هزيمة أي تهديد تقليدي محتمل من دولة أو تحالف أو حتى فاعلين غير دوليين، وهذا التعديل رسخ أبعاد ثلاثة، وضع تعريف قانوني واضح للتفوق النوعي(QME)، وإلزام الإدارة الأميركية بتقديم شهادات دورية للكونغرس عن وضع إسرائيل العسكري، واشتراط مراجعة الكونغرس لأية صفقة سلاح لدول الشرق الأوسط للتأكد من عدم مساسها بالتفوق الإسرائيلي، وبكلمات أخرى فما كان سياسة في زمن الحرب الباردة ضد النفوذ السوفياتي، صار قانوناً مكتوباً يقيد كل مفاوضات السلاح حتى اليوم، وحتى صفقات الدفاع البحتة مثل “باتريوت” و”ثاد” وطائرات (F-35)تأتي دائماً بنسخ منقوصة وقيود برمجية تضمن لإسرائيل التفوق، وتمنع الدول العربية من تعديل أو تطوير أنظمتها من دون موافقة أميركية، ولعل المثال الأوضح تجميد صفقة الـ F-35)) لدولة الإمارات بعد توقيع “الاتفاق الإبراهيمي”، ليتأكد أن السقف ليس قراراً سيادياً عربياً بل خطاً أحمر أميركياً وإسرائيلياً.
ولم يكن تعديل عام 2008 في قانون (AECA) مجرد تأكيد إضافي للتفوق الإسرائيلي، بل إعادة صياغة لمعادلة الأمن الإقليمي برمتها، فالولايات المتحدة لم تلزم نفسها بحماية إسرائيل لذاتها فقط، بل استخدمت هذا الالتزام كأداة إستراتيجية لمواجهة إيران وبناء تحالف عربي -إسرائيلي واسع، وهنا تتضح معادلة “الجزرة والعصا”: إسرائيل تحصل على التفوق المطلق، فيما تمنح الدول العربية فرص تسليح متدرجة مشروطة بالتطبيع والتنسيق الأمني مع تل أبيب، وهكذا تحول القانون من قيد على العرب إلى وسيلة هندسة إقليمية تبقي إسرائيل في القمة، وتربط أي مكاسب عربية بمسار سياسي يحقق مصالح واشنطن أولاً، ويضمن أن التحالف العسكري في المنطقة يوجه بنادقه حيث تريد واشنطن، نحو طهران وحلفائها لا نحو إسرائيل.
أنظمة لا تستجيب ضد إسرائيل
الأدهى أن بعض هذه الأنظمة مبرمجة بحيث لا تستجيب حتى في أسوأ سيناريو ضد إسرائيل، وتحديث البرمجيات والصيانة يمر عبر بوابات رقمية تتحكم بها واشنطن عن بعد، وتستطيع تعطيلها أو الحد منها متى شاءت.
لأن إسرائيل ليست حليفاً عادياً بل رأس جسر لمصالح واشنطن في أخطر إقليم بالعالم، وحماية تفوقها النوعي تعني حماية الأمن القومي الأميركي نفسه، أي ضبط إيقاع القوة ومنع سباق تسلح خارج السيطرة، وإبقاء “زر التعطيل” دائماً في الجيب الأميركي، ولو دفعت للإدارة الأميركية المليارات.
الواقع أكثر قسوة، والقوة الحقيقية هي في البرمجة المفتوحة، والقدرة على تطوير الأنظمة وتشغيلها بعيداً من ابتزاز المزود، فإسرائيل وحدها في المنطقة تملك هذه السيادة، أما بقية الجيران فيبقون عند عتبة “التبعية التقنية” مهما كانت الأسلحة براقة وغالية.
هل البدائل الكبرى من الشرق حقيقية؟
منذ الحقبة السوفياتية عرضت موسكو سلاحها بلا شروط سياسية خانقة، لكن بعد حرب أوكرانيا تراجع التوريد 80 في المئة خلال ثلاثة أعوام، وواجهت أزمة صيانة كبرى، فمن يشتري اليوم يغامر بالعقوبات الغربية ومشكلات لوجستية معقدة.
البديل الأكثر ديناميكية، فصفقة الـ “درونات” من نوع (Wing Loong) في السعودية والإمارات، وصواريخ بحرية (YJ)، وصفقات إلكترونيات عسكرية متقدمة، والميزة الكبرى أنها صفقات سريعة ونقل جزئي للتقنية وغياب الابتزاز السياسي، والتحدي هو أن الجودة في الطيران الحربي لا تزال أقل من الأميركي، لكن في الدرونات والبحرية والذكاء الاصطناعي العسكري أصبحت الصين لاعباً لا يستهان به.
خرجت من عباءة التقليد إلى الصناعة الأصيلة، دبابات (K2) ) في مصر ومدافع (K9) في السعودية، وصفقات كبرى في الإمارات، لا تفرض شروطاً سياسية ثقيلة وتمنح دعماً تقنياً عميقاً بأسعار تنافسية.
بدأت تخفف قيودها الدستورية وتعرض أنظمة دفاعية متقدمة، والجودة استثنائية لكن التصدير بطيء ومحكوم بضوابط سياسية صارمة، مما يجعلها لاعباً محدود التأثير حتى الآن.
دروس من الجوار: تركيا وإيران
وسعت دول بموارد أقل من دول الخليج إلى أن تكسر القيد، فتركيا صنعت مسيراتها “بيرقدار” وصواريخها، وإيران طورت قدراتها على رغم العقوبات، والنتيجة تقدم نسبي في التصنيع العسكري مهما اختلفنا سياسياً مع تجاربهم، والعبرة أن من يملك المعرفة يملك الردع.
وعلى رغم دقة هذا التحليل لكن الصورة الكاملة لا تكتمل من دون الإضاءة على ثلاثة أبعاد حاسمة، أولها الدور الإسرائيلي النشط الذي لا يقتصر على كونه مستفيداً سلبياً، بل هو فاعل رئيس في هندسة هذا السقف عبر آليات ضغط ممنهجة وعمليات استخباراتية تعمل بشكل دؤوب على إبقاء التفوق حصرياً لها، وإفشال أي محاولة للاستقلال التقني العربي، وثانيها التحدي الداخلي المتمثل في ضرورة مواجهة معوقات البيروقراطية العربية، وتباين الأولويات وغياب الإرادة السياسية الموحدة، والتي قد تقف عائقاً أمام أي إستراتيجية جماعية طموحة كتلك المطروحة، وأخيراً الإدراك الواعي للكلفة الإستراتيجية، فكسر قيود التبعية ليس قراراً تقنياً أو مالياً فقط، بل هو خيار جيوسياسي مصحوب بالمخاطرة في مواجهة ضغوط وعقوبات غربية شديدة، مما يستدعي بناء تحالفات جديدة وإرادة سياسية لا تتردد في دفع هذا الثمن من أجل السيادة والتحرر الطويل الأمد.
الخلاصة: منطق المزج وكسر القيد
العبرة ليست في “استبدال مزود بمزود آخر”، فمن يعتمد فقط على أميركا يبقى رهينة الإرادة الأميركية، ومن يغرق في السلاح الروسي أو الصيني يقع تحت رحمة تقلبات السياسة أو ضغوط العقوبات، والحل الوحيد هو المزج الذكي بين الموردين مع استثمار حقيقي في بناء صناعة عسكرية محلية، ونقل تقنية جادة مع تدريب الكفاءات الوطنية.
كل منظومة لا تملك مفاتيحها وكودها وتطويرها هي في النهاية “سقف قوة” مرسوم لك من الخارج، لا يكسره مال ولا يغير لونه شراء، لكن ماذا لو انقلبت المعادلة؟ ولنتخيل مثلاً لو أن الدول العربية أسست “أوبك” دفاعية جديدة، أو تحالفاً تقنياً عسكرياً يضم دولاً عربية تتصدرها دول الخليج برأسمال سيادي مشترك يضخ من فوائض النفط والغاز، ليس لشراء الأسلحة وحسب بل لتملك الكود والبرمجة، وبناء مصانع للـ “درونات” والرادارات والصواريخ، عبر شراكات مع كوريا والصين وتركيا لنقل التقنية، أو صندوق سيادة تقني عربي يستثمر في الذكاء الاصطناعي العسكري ليبرمج أنظمة دفاعية تكتشف أية طائرة معادية بلا قيود أميركية، ويجمع آلاف العلماء العرب في الخارج ضمن مشروع عودة الكفاءات


